المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : صحراء رنية الكبرى تدفن التائهين في قبور ناعمة


ريم البراري
26-07-07, 11:02 AM
http://www.alyaum.com/images/12/12459/509382_1.jpg

http://www.alyaum.com/images/12/12459/509382_2.jpg

http://www.alyaum.com/images/12/12459/509382_3.jpg
يتربص الموت عطشا بالتائهين في كثبانها الرملية التي تستدرجهم بنعومتها الذهبية وفضاءاتها الرحبة لكن رغم سعتها التي تستحوذ على 25 بالمائة من مساحة منطقة مكة المكرمة الا ان صحراء رنية الكبرى يضيق صدرها احيانا بالعابرين على كثبانها في مواسم الجفاف فحينما يبلغ بهم التعب وتنهار قواهم في البحث عن جرعة ماء وتتدلى السنتهم المتسيبة من فرط جفاف الريق. . عندها تصفعهم بغبرتها في وجوههم يسقطون ارضا وتتولى الرياح مهمة دفنهم بدم بارد دون ان تترك اثرا على نعومتها الظاهرية سوى جزء من ثوب يرف او طرف جثة كشفته غضبة رياح (الخماسين) وهي تتخطف التلال من مواقعها لتلقي بها بعيدا في البيداء.
روايات مرعبة
السفر في صحراء رنية مجازفة لا تخلو من حماقة لغير العارفين بدروبها فهي تمتد من بيشة وتثليث جنوبا الى الحومات شمالا بطول 300 كيلومتر ومن وادي الدواسر شرقا الى رنية غربا بطول 200 كيلومتر وبهذا تعتبر من اكبر الصحارى في الجزيرة العربية. و ثمة روايات مرعبة يرويها سكان المنطقة حول قصة التيه المأسوية التي يتضح من خلالها ان هذا الفضاء المخيف لا امان له فهو يغدر حتى بابناء البادية الذين حبوا على تلاله وعاشوا في اوديتها حتى اشتعلت رؤوسهم شيبا.
ضائعون في «المهمل»
سجلات الدفاع المدني تمتلئ بوقائع التوهان في تلك الصحراء سواء من اهالي محافظة رنية والمحافظات المجاورة او من المسافرين والمتسللين فهناك من تعطلت سيارته او نفد وقودها فهام على وجهه حتى اهلكه العطش واخرون ضلوا طريق سيرهم حتى توغلوا في الصحراء لتتكالب عليهم ضربات الشمس القائظة وهجير الرمل الملتهبة فقضوا نحبهم حيث لا سبيل للانقاذ لان الجوال يظل في الفيافي خارج التغطية. ومن صحارى رنية الشهيرة بإخفاء العابرين في كثبانها القاحلة صحراء « المهمل» تقع الى الشرق من رنية ويبلغ طولها من الشرق الى الغرب 130 كيلو مترا اذ تقع بين رنية غربا ووادي الدواسر شرقا وتثليث جنوبا ولا يوجد بها اي مورد ماء.
قبور ناعمة
اما صحراء « عرق سبيع» الشهيرة بكثبانها الرملية فتقع على بعد 30 كيلو مترا شمال رنية وتمتد بين الحومات شمالا بطول 200 كيلو متر وهي عبارة عن تلال تتغير ملامحها يوما بعد آخر ولا توجد بها علامات تدل على التائهين مما يجعلهم يدورون في حلقات مفرغة وسط الرمال حتى يتخطفهم الموت عطشا وتهيل عليهم رياحها العاصفة رمالا ناعمة الملمس لتكون قبورا لاحلامهم الموءودة ومن لم تسعفه الرياح المعاكسة لكشف جثته يظل مجهولا ومطويا في هذه الصحراء الممتدة كمقبرة بلا قرار.
الموت « عطشا»
أهالي المنطقة الذين عايشوا الصحراء بحلوها ومرها يروون حكايات مأساوية بعد ان نقشت اثارها المروعة عميقا في ذاكرتهم من بينها قصة مسن وابنه وابن اخيه حيث حدثت فصول تلك المأساة قبل 13 عاما لكنها لاتزال طازجة في الالسن كأنها حدثت بالامس.
يقول الرواة : « ان مسنا يبلغ من العمر 80 عاما اذن لابنه وابن اخيه بالذهاب الى مدينة رنية لجلب اغراض للاسرة التي تقطن في اودية رنية الشرقية وكانا طلبا منه السماح لهما الذهاب الى المدينة لشراء الاغراض اضافة الى اعلاف لابلهم واغنامهم فغادرا البادية على متن سيارة وبعد ان اشتريا مستلزماتهما غادرا رنية في طريقهما الى البادية.. وفي منتصف الليل اكتشفا انهما تائهان عن الطريق المؤدي الى موقع اسرتهما وبعد محاولات مضنية في البحث وصلا الى صحراء الجهمل وللخروج من ذلك المأزق القاتل حاولا العودة من حيث اتيا سالكين طريق سيارتهما لكن سرعان ما نفذ الوقود واحجمت السيارة عن الحركة.. وطفقا يبحثان عبثا عن مكان يلجآن اليه من قيظ الظهيرة الحارق ولكن دون جدوى. وبعد يومين من غيابهما توجه المسن الى رنيه وابلغ عن فقدان ابنه وابن اخيه ومن ثم هرعت الفرق الاجنبية التابعة للدفاع المدني في البحث بمساندة مروحية تم استدعاؤها من مكة المكرمة.. وبعد مضي اسبوع على اختفائهما تم العثور على جثتيهما حيث توفيا عطشا وسط الرمال» .
مأساة عرق سبيع
وبعد سنتين من تلك الحادثة المؤلمة توجه المسن الى تلك الناحية التي عثر فيها على جثتي ابنه وابن اخيه بحثا عن ابل ضاعت في الصحراء واثناء بحثه غرزت سيارته في الرمال ولم يكن يدري رغم انه ترعرع وسط الفيافي انه داخل صحراء (الجهمل) باءت محاولات زحزحة السيارة الفشل فقرر تركها والبحث عن مكان اسرته وبعد يومين من السير على الاقدام سقط مغشيا عليه من فرط العطش وما لبث ان فارق الحياة.. وبعد شهر من غيابه عثر على جثته بواسطة مروحية تابعة للدفاع المدني بمنطقة مكة المكرمة.
وذكر شهود عيان كانوا يرافقون فرقة البحث ان الموقع الذي عثر فيه على جثة المسن كان على بعد امتار معدودة من الموقع الذي عثر فيه على ابنه وابن اخيه.
ان قصص التيه في الصحارى يصعب حصرها ففي العام الماضي شهدت صحراء عرق سبيع حادثة لا تقل مأساوية عن تلك راح ضحيتها مقاول بناء سوداني وابنه الذي يبلغ من العمر 18 عاما فيما نجا مرافقهما ويدعى محمد عوض الله والذي روى لـ»اليوم» تلك القصة المرعبة التي عايش تفاصيلها في الصحراء فيما كان منوما بمستشفى رنية بعد ان انقذته عائلة بدوية تصادف مرورها على الطريق.
يقول عوض الله : « مسترجعا تفاصيل تلك المأساة جئت من الرياض لزيارة احد اقاربي والذي يعمل في مركز ورشة 80 كيلو مترا داخل الصحراء شرق رنية ونزلت لدى صديقي صلاح والذي اخبرته بانني ارغب في زيارة ذلك الصديق عندها اصر على ان يوصلني الى ذلك الصديق مؤكدا انه يعرف الطريق جيدا وانه ذهب الى هناك اكثر من مرة.وعليه تحرك ثلاثتنا مستقلين سيارة صلاح صباحا وعند منتصف النهار تعطلت السيارة وسط صحراء تغطي جميع الاتجاهات ولا يوجد ثم مكان او معلم يمكن اللجوء اليه حاولنا مرارا اصلاح السيارة ولكن بلا جدوى واخيرا قررنا التحرك سيرا على الاقدام عسى ان نصل مكان نطلب فيه المساعدة وكان زادنا من المياه قليلا لا يتجاوز ثلاث لترات.. واستمرت مسيرتنا على الاقدام يوما كاملا.. وكانت العاصفة الرملية تمور في الصحراء وتصفع وجوهنا بغبرتها الكالحة.» .
الناجي الوحيد يحتضر
ويستطرد قائلا : « وفي صباح اليوم التالي استيقظنا من النوم الذي لم يكن هانئا وسط الكوابيس التي ارقتنا طوال الليل.
واذكر انني كنت اردد الشهادتين.. حينها وصل الى مسامعي ازيز سيارة قادمة من بعيد فعاودني الامل مجددا حيث خلعت قميصي واستلقيت علية « فرشا» واكتشفت ان صوتي اضحى همسا لا يسمع ولحسن حظي شاهدني صاحب السيارة وهو من سكان البادية وكان برفقة عائلته فأسرع الي ورش وجهي بالماء حتى افقت ثم احضرت زوجته تمرا وخلطته بالحليب فأكلت منه.. ومن ثم نقلوني الى مستشفى رنية العام وبعدها ابلغوا الدفاع المدني في رنية الذي حرك فرقا ارضية للبحث عن صديقي صلاح وابنه بعد ان وصفت لهم الموقع وبعد ساعات عثرت الفرق على جثة صلاح الذي قضى عطشا وجوعا ويبدو ان ابنه تحرك من مكان والده الذي كان يحتضر للبحث عمن يساعده في انقاذه لكنه ما لبث ان انهكه السير ولحق بوالده وتم نقل جثتيهما الى مستشفى رنية العام.

اليوم

بارق الوسم
31-07-07, 03:43 PM
صحيح .. فكثير ما نسمع عن ذلك من قديم .. حمانا الله وإياكم ..

شكرا لك ريم البراري .