ريم البراري
08-08-07, 10:16 PM
http://www.al-jazirah.com/magazine/14022006/16.jpg
عالم العظايا مليء بالعجائب والغرائب، وما يزال العلماء يسعون جاهدين لمعرفة المزيد عن طبيعة هذه المخلوقات المتنوعة وسلوكياتها التي تختلط الحقائق عنها بكثير من الأساطير والخرافات، وقد اهتم العلماء بدراسة الوظائف المتعددة للأذيال عند العظايا التي تشمل استخدامها في الدفاع عن النفس، وذلك بطرح جزء من الذيل لشغل المهاجم وصرف اهتمامه عن صاحب الذيل حتى يتمكن من الهرب خاصة أن الذيل يبدأ بحركة لولبية تلفت النظر إليه، أو استخدامها أداة للدفاع بضرب المهاجم بها، كما يفعل الورل للدفاع عن نفسه، أو للتغلب على فرائسه، أو استخدامها في تسلق الأشجار والتعلق بها. كما أن للأذيال وظائف أخرى مرتبطة بموسم التزاوج مثل تبديل ألوانها لتحديد المواقع من مسافة بعيدة وتسهيل سرعة الالتقاء، أما أكثر وظائف الأذيال غرابة فهو استخدامها في التخاطب والتواصل بين أفراد النوع الواحد، وذلك بتحريكها بطريقة معينة لتدل على شيء معين ويوضح الاستاذ حميد مبارك الدوسري في مقالة في مجلة الوضيحي ان في شبه الجزيرة العربية يوجد جنسان من هذه العظايا يتبعها عدد من الأنواع التي تستخدم لغة الأذيال في التخاطب والاتصال ين أفرادها، وهو ما يسميه العلماء «إشارات الذيل» وسوف نستعرض بعض طرق التخاطب بالذيل في عدد من الأنواع التابعة لهذين الجنسين.
والجنس الأول من هذه العظايا معروفٌ عند العرب باسم الحكي بضم أوله، وهو جمعٌ مفرده حكأة وحكاءة بضم الحاء، وقد اشتق هذا الاسم من «الحكأ» وهو شد العقدة وإحكامها لأن هذه العظايا تعقد أذيالها وتشدها باستمرار، وجاء في كتب السيرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن قتل الحكأة، قالوا وسبب ذلك أنها لا تؤذي(1) ، وتعيش أنواع هذا الجنس في المناطق الصخرية أو الجبلية ذات الغطاء النباتي الكثيف أو المتوسط الكثافة.
نوع فقط في المنطقة الشرقية
وسلطنة عمان
وهناك ما يقارب عشرة أنواع من جنس الحُكي في شبه الجزيرة العربية أغلبها يوجد في اليمن وعمان، وكل أفراد هذا الجنس تحرك أذيالها بطرق مختلفة، وهو ما يعتقده العلماء لغة إشارة خاصة بكل نوع تستعمل بين أفراده للاتصال والتفاهم، والنوع الذي نتحدث عنه يوجد في ظفار بسلطنة عمان، كما يوجد في مكان واحد فقط في المنطقة الشرقية من المملكة في جزيرة دارين، وقد كانت أفراده تعيش في البيوت الشعبية المبنية من الصخور البحرية المسقوفة بالخشب وجريد النخل، كما كانت تعيش في المناطق الخالية من البناء في الجزيرة، وبعد أن تحول الناس إلى البناء الحديث وهدموا البيوت القديمة، وبنيت أراضي الجزيرة كلها لم يتبق من مكان لهذا النوع ليعيش فيه سوى مكان واحد هو القلعة الأثرية في دارين، وقد كانت مبنية من الصخور البحرية وجذوع النخل، وقد تهدمت هذه القلعة الآن ولم يبق منها سوى الأطلال، وربما يأتي في القريب العاجل من يحمل هذه الأطلال - بأوزاغها - إلى خارج الجزيرة بدعوى تشويه المنظر الجمالي أو استغلال مكانها، وقد كان أهل الجزيرة يأملون في أن تتولاها إدارة الاثار وتحافظ عليها كمعلم سياحي وعمراني في الجزيرة، وقد بقي عدد قليل من هذا النوع من الأوزاغ يعيش بين هذه الأطلال.
وهذا النوع هو الحكأة Pristurus rupestris من الفصيلة الوزغية وهو وزغ بني اللون فيه نقط داكنة وخطان أسودان في جانبي الرأس يمتدان من الأنف إلى نهاية الرأس مرورا بالعينين، يبلغ طوله مع الذيل حوالي سبعة سنتيمترات بينما يبلغ طول الذيل وحده أكثر من طول الجسم، وتنتهي أرجله بمخالب تمكنه من التسلق والمشي في السقوف وظهره إلى جهة الأرض كما تفعل الأوزاغ ذوات الأرجل المروحية اللاصقة، ويتميز الذكر فيه عن الأنثى بلون داكن وذيل مضغوط من الجانبين تبرز فوقه شويكات كالمشط، والأنثى ذات لون باهت، والجزء السفلي أبيض اللون في الجنسين.
وهذا النوع نهاري المعيشة، على خلاف أكثر بقية أنواع هذه الفصيلة، التي هي ليلية المعيشة، وتخرج أفراده لطلب القوت بعد طلوع الشمس في الأيام الحارة وتبقى إلى الغروب، وفي أيام البرد تتأخر في الخروج، وتبقى في الشمس فترة طويلة، قبل أن تمارس نشاطها، وتذهب للمبيت مبكرا مع بداية برودة الجو، وهي تُرى على مدار العام، وليس لها فترة سبات شتوي مثل بقية أنواع فصيلتها. وتتكاثر أفراد هذا النوع في وقت اشتداد الحر وارتفاع نسبة الرطوبة في شهر يونيو وما بعده، إلى وقت اعتدال الجو في اكتوبر، وليس لها أصوات كالتي تصدرها الأوزاغ في موسم التزاوج، وإنما تحرك أذيالها بطرق معينة لتحقيق هذه الغاية، وهو جزء من لغة الإشارة بالذيل التي تتميز بها هذه المخلوقات. وتتغذى أفراد هذا النوع على النمل وصغار الحشرات، بطريقة التربص والهجوم كما تفعل بقية أنواع فصيلتها، حيث تتربص ساكنة في مكانها فترة طويلة حتى تقترب الفريسة منها ثم تنقض عليها وتبتلعها، وتكون قريبة من سطح الأرض فوق الصخور، ولا تبعد كثيرا عن الأماكن التي تحتمي فيها في الشقوق وتحت الحصى، وتفضل الأماكن القريبة من النباتات لوفرة الحشرات التي تتغذى عليها، وعندما تشتد الحرارة تلجأ إلى الظل، وإلى الأماكن المعرضة للهواء فوق الأماكن المرتفعة.
الحكي تطرح ذيلها
عند الاحساس بالخطر
وتعتبر الطيور الجارحة من أهم الأعداء الطبيعية لهذه المخلوقات، بالإضافة إلى الأفاعي والقطط، أما وسائلها في تجنب مخاطر الافتراس فهي حذرها الشديد، وقربها دائما من ملاجئها بما يمكنها من سرعة الاحتماء فيها. كما أن طبيعة المنطقة الصخرية التي تعيش فيها تساعد على حمايتها وصعوبة الوصول إليها، إضافة إلى أن قيامها بطرح الذيل عند الإحساس بالخطر هو من أهم وسائل الدفاع عن النفس لدى هذا النوع كغيره من أنواع الفصيلة الوزغية.
وقد لفت نظر العلماء كثرة التشوهات الخِلْقِية في نمو أذيال هذا النوع بعد طرحها مما يعد ظاهرة فريدة تستحق الدراسة والبحث، بالإضافة إلى محاولة فهم وتفسير تلك الحركات المتنوعة لأذيال أفراد تلك المجموعة بعد أن تبين لهم أنها ليست مرتبطة فقط بموسم التزاوج، وإنما هي سلوك تمارسه على مدار العام، وأن طرح الذيل هو طريقة مفضلة للدفاع لدى أفراد هذه الأنواع، ولذلك يكثر التشوه في الذيول الجديدة أثناء نموها ولا يدل ذلك على حدوث خلل وراثي فيها. وقد قام الأستاذ أرنولد سنة 1988- 1989م بدراسة ميدانية لسلوك هذا النوع من الحكي لمدة عام كامل في جزيرة دارين بالمنطقة الشرقية، حيث وجد أن قلعة دارين، التي كانت عامرة آنذاك، هي أفضل مكان مناسب للدراسة، إذ لا يوجد فيها ما يزعجها أو يجعل سلوكها متأثرا بتدخل خارجي أو رد فعل له.
ويمكن تمييز الذيل البديل بسهولة من لونه، فالذيل الأصلي يماثل لونه لون الجسم من الأعلى ويكون أسفله أبيضا كلون البطن، أما الذيل البديل فيكون كله محمّر اللون حتى من الجانب الأسفل، وتكون التشوهات عادة إما بالنمو الزائد للذيل حيث يكون طويلا بشكل مفرط، أو تكون بتضخم حجمه أو بنمو الشويكات من الأعلى والأسفل في أذيال الذكور أو عدم نموها أصلا، كما قد ينمو ذيل آخر في الذيل الحالي دون أن يسقط الذيل الأول، وقد علل ارنولد ذلك بأنه إذا جرح الذيل ولم يسقط فإنه ينمو متشوها (2).
حركات للذيل تشير للتحذير أو المواجهة
ومن أهم نتائج الدراسة التي لخصها بليو روس، التوصل إلى تفسير منطقي لحركات الأذيال لهذا النوع من الحكي، وأنها في حقيقة الأمر لغة للتفاهم بين أفراد هذا النوع وهي بديل للاتصالات الصوتية التي تتم في الأنواع الأخرى من الوزغ، حيث أن هذا النوع لا أصوات له كما قلنا من قبل، وقد رصد ارنولد سبعة أنواع من حركات الذيل لكل منها دلالة مختلفة عن غيرها ومن هذه الحركات نسرد خمسة منها :
* إعلان المسالمة، ويكون برفع الذيل إلى أعلى وتحريكه بسرعة يمينا وشمالا عددا من المرات، وتصدر غالبا عن الصغار، كما تصدر عن الكبار عند مرور أحدها بحدود المكان الذي يعيش فيه غيره ويرد صاحب المكان بنفس الحركة.
* إعلان السيادة على الموقع: وتكون بطي الذيل إلى أعلى، ثم إعادته إلى وضعه السابق ثلاث مرات متتالية، ثم تحريكه يمينا وشمالا ثلاث مرات متتالية أيضا، وتمارسها الذكور دون الإناث، وتكون عند الانتقال إلى موقع جديد، أو عند محاولة أحد الذكور الدنو من موقع يشغله ذكر آخر.
* التحذير من الاقتراب: وتكون برفع الذيل قليلا، وإبقائه ممدودا دون حركة مع ارتفاع الطرف إلى أعلى، ويصاحب ذلك نفخ الجسم كله خاصة الحنجرة والبطن، والارتفاع على القوائم الأربع مع إبقاء الرأس في وضع مستقيم بحيث يبدو أكبر من حجمه الحقيقي، ويقوم بهذه الحركة الذكور لحماية مناطق نفوذها من تهديد الذكور الآخرى، وتستمر هذه الحالة لبضع ثوان، يعود بعدها صاحب المكان إلى حجمه الحقيقي بعد فرار خصمه أو إعلانه حركة المسالمة المذكورة سابقا، أما إذا استمر الخصم في مكانه أو قام بنفخ جسمه للتحذير أيضا فإن المواجهة تقع بينهما فيهاجم كل منهما ذيل الآخر، ولم يُلْحظ استخدام الأذيال كأدوات في المواجهة، رغم وجود بعض الأشواك في أذيال الذكور.
* إعلان المواجهة: وتكون برفع الذيل، وهو منحن، وتحريكه بشكل متموج بسرعة ثم مهاجمة الطرف الآخر حالا، وتمارس هذه الحركة الإناث والذكور غير أن الإناث تكون أذيالها في وضع شبه مستقيم مع حركة تموج أسرع من حركة الذكور.
* إعلان الرضا: وتكون بوضع الذيل بشكل مواز للأرض مع تحريكه حركة تموّجية بطيئة، وتمارسها الإناث والذكور قبل التزاوج، أو بعد التهام طعام شهي.
http://www.al-jazirah.com/magazine/21022006/12.jpg
ليث عِفِرّين» وهو اسم عربي يطلق على أفراد نوعين تابعين لجنس من الفصيلة الحرذونية (الأجما).
و«ليث عفرين»، بكسر العين والفاء وتشديد الراء، اسم عربي فصيح يطلق على أي فرد تابع لأي نوع من نوعي هذا الجنس، وهو مشتق من العفر، وهو التراب وغبرة اللون، وقد جاءت صفاته في قواميس اللغة ، وفي (تهذيب اللغة): « روى أبو حاتم عن الأصمعي يقال: إنه دابة مثل الحرباء يتحدى الراكب ويضرب بذنبه» ولا يفهم من هذا أنه مؤذ كما قد يتبادر من اسمه، أو من كلمة التحدي أو الضرب بالذنب، ولكن من صفاته الغريبة أنه إذا رأى الإبل أو الناس فإنه يقترب منها وينظر إليها مشدوها، ويحرك ذيله، ويتابعها بعض الوقت ثم يتركها، وهذه حقيقة يعرفها من يمشي في الأماكن التي تعيش فيها هذه المخلوقات، ويخاف بعض الناس من هذا السلوك الغريب إذ يسيئون فهمه، ومن خبرة كاتب هذه السطور أنك إذا تجاهلته أو لم تقم بحركات تثيره فإنه قد يقترب منك إلى مسافة متر أو أقل.
وقد خلط بعض المتأخرين من أصحاب المعاجم في التسمية والوصف بين ليث عفرين وأسد النمل، وهي حشرة معروفة ، وسبب الخلط أن كلا منها يدفن نفسه في التراب.
ويعيش أحد النوعين من «ليث عفرين» في معظم الأجزاء التي تغطيها الرمال في شبه الجزيرة العربية ولا يعيش في المناطق الجبلية أو الصلبة، ويفضل الكثبان الرملية التي ينبت فيها الرمث والغضى والأرطي، بينما يعيش النوع الآخر في المناطق الرملية حول السباخ على سواحل الخليج العربي الغربية، ويبلغ طول أفراد النوع الأول حوالي عشرة سنتيمترات ويتميز بخطوط عرضية غير منتظمة على الظهر تكون حمر اللون أو بنية وحلقات سود أو رمادية في ظاهر الذيل، وتختفي هذه الخطوط والحلقات، أو تبهت، عندما تشتد حرارة الشمس، حيث يماثل لونه لون التراب الذي يعيش فيه وذلك لتقليل امتصاص جسمه للمزيد من حرارة أشعة الشمس، وأسفل الجسم كله أبيض اللون بما في ذلك أسفل الذيل.
ويتميز الذكر عن الأنثى بضخامة في الحجم وسواد في طرف الذيل، أما الأنثى فيكون أسفل الذيل فيها رماديا، وتزداد ألوان الذيل وضوحا في وقت التزاوج، وأفراد النوع الثاني أصغر حجما إذ يصل طولها إلى نحو ثمان سنتيمترات فقط وتختلف ألوانها من مكان لآخر، كما تختلف ألوان الذيل أيضا، وفي أكثر المناطق يكون اللون مشابها للون التراب مع بقع حمر أو بنية باهتة على الظهر، والذيل أحمر في الأنثى، ومقلم بالأسود في الذكور، خاصة في وقت التزاوج.
ويُعرَف «ليث عفرين» في وقتنا الراهن عند العامة باسم «الطحيحي» (بضم الطاء وتسكين الياء على صيغة التصغير) والكلمة مشتقة من الطح وهو الانبطاع في الأرض والانبساط لأنه يدفن نفسه في الرمل عندما يشعر بالخطر، وطريقته في إخفاء نفسه تختلف عن طريقة السقنقور، الذي يغوص في الرمل، فهو يتوقف فجأة أثناء الركض ثم يضع جسمه على الأرض وينتفض بسرعة، وخلال جزء واحد من عشرة أجزاء من الثانية أو نحو ذلك يكون قد غطى كامل جسمه بطبقة سمكها نحو ملليمترين من التراب، وبعد ثلاث دقائق تقريبا يرفع رأسه بحركة بطيئة ثم ينظر حوله يمنة ويسرة، ثم يخرج رقبته ويرتفع على يديه ليرى أكثر، فإذا لم ير شيئا يريبه انطلق مسرعا مبتعدا عن مدفنه، ويبدو أنه يحس بالأشياء القريبة منه وهو تحت التراب ربما بالسمع أو بالبصر أو بهما معا، إذ لا يرفع رأسه من التراب عندما تكون على مسافة قريبة منه حتى لو بقي فترة طويلة جدا، وإذا أمسكت به وهو في التراب ثم وضعته على الأرض فإنه، غالبا، لا يهرب وإنما يجابهك وذلك بنفخ جسمه والارتفاع على قوائمه الأربع وفتح فمه، وإذا وضعت إصبعك قريبا منه فإنه يعضها، ولكن عضته ليست مؤلمة ولا مؤذية إطلاقا.
وتتغذى أفراد «ليث عفرين» على الدُبَا (صغار الجراد) والنمل والأرضة وصغار الحشرات الطائرة، ويتربص للفريسة باختيار مكان مرتفع يمكنه من مراقبة ما حوله، ثم ينطلق مسرعا لالتقاط فريسته متى رآها، وأحيانا يسعى لطلب الغذاء بالقرب من النباتات والمنحدرات الشديدة للكثبان الرملية، وهو حاد البصر جدا إذ يستطيع رؤية نملة صغيرة على بعد عشرات الأمتار، فينطلق مسرعا نحوها ليلتقطها، وطريقته في طرح الفضلات من جسمه تكون بشغر إحدى الرجلين وإمالة الجسم إلى الجهة الأخرى، ثم طرح الفضلات والتحرك عنها بالانحراف إلى جهة الميلان، وعدم المرور فوقه.
ويخرج «ليث عفرين» من سباته الشتوي، كمعظم الزواحف، في شهر ابريل ويستمر نشطا إلى اكتوبر، وفي الأيام الباردة يقضي فترة طويلة في الشمس قبل أن يزاول نشاطه، وفي أيام الحر يظهر مع طلوع الشمس ويختفي عندما يشتد الحر قبل منتصف النهار، ثم يعود للخروج في العصر بعد أن يبرد الجو قليلا، ويبقى إلى وقت الغروب.
وأهم أعدائه الطيور الجارحة والورل والأفاعي، وهو لا يستطيع طرح ذيله عند شعوره بالخطر أو عند الإمساك به كما تفعل بعض أنواع العظايا الأخرى للدفاع عن النفس، وإنما يدفن جسمه كما أسلفنا، وقد فسر العلماء هذا السلوك، وأعني به الانطحاح في الرمل، بأن الهدف منه إخفاء الظل، حيث تستطيع الطيور الجارحة أن تراه وترصد مكانه من حركة ظله، أما هو فلا تستطيع رؤيته بسهولة لمشابهة لونه لون التراب.
محاكاة لسلوك الأفعى الرملية المقرنة
وهناك طريقة أخرى يمارسها «ليث عفرين» للحماية حيث يدفن جسمه في التراب مع إبقاء الرأس غير مدفون، ويختار المكان الملائم واتجاه وضع الرأس وكمية التراب التي تغطي الجسم ويترك طرف الذيل فقط، ويهز جسمه هزا بطيئا مع الرجوع إلى الوراء قليلا حتى يكون في الوضع الذي يريده، ويفعل ذلك دون أن يكون هناك خطر واضح يتهدده، وفي هذا الوضع يكون لا ظل له أيضا، وربما يكون الغرض من ذلك تجنب حرارة الشمس أو غير ذلك، ويبقى على هذا الوضع فترة طويلة، ويعتقد كاتب هذه السطور أنه يقوم بذلك السلوك محاكاة للأفعي الرملية التي تدفن جسمها وتترك رأسها فوق الرمل، ومما يقوي هذا الاعتقاد الشبه الكبير جدا بين رأس ليث عفرين ورأس بعض أنواع الأفاعي وفي وضع الدفن لا يشك من يراه أنه الأفعي الرملية، وبذلك يحمي نفسه ويتجنب الافتراس بإخافة أعدائه، ومعروف أن هذا النوع من الأفاعي شديد السمية، ويعيش في نفس البيئة التي يعيش فيها «ليث عفرين».
وتقوم هذه العظايا بتحريك أذيالها قبل بداية موسم التزاوج وأثناءه وبعده، وقد حاول العلماء إيجاد تفسير لهذا السلوك المتميز حيث اعتقد سيمون وبرين سنة 1958م أنه سلوك محاكاة للعقرب تفعله هذه العظايا لحماية نفسها بإخافة أعدائها وإيهامها أنها عقارب، بينما اقترح سنة 1984م أن ذلك لغة للتخاطب بين أفراد هذا النوع، وفي سنة 1987م قام الأستاذ روس بدراسة ذلك السلوك ميدانيا على عدد كبير من أفراد النوع الأول في دوحة عين السيح بالخبر في المنطقة الشرقية، وقد استمرت الدراسة ستة أشهر من «ليث عفرين» سجل الباحث خلالها ملحوظات هامة حول السلوك العام لهذا النوع، وأربعة أنواع من حركات الذيل وما يسبقها أو يتلوها من سلوك نستعرضها فيما يلي بإيجاز:
* حركة السيادة على الموقع: ويقوم بها الذكور، وتكون بطي الذيل طيا كاملا ثم إعادته إلى وضعه الأول، وتكرار هذه الحركة ثلاث مرات أو أربعا بسرعة، وتكون عادة بعد الوقوف فوق مكان مرتفع، وتتكرر هذه الحركة في كل مرة يغير فيها الحيوان موقعه.
* حركة التهديد: وهي تماثل الحركة السابقة، وتحدث عندما يتقابل اثنان من الذكور حيث يقوم كل منهما بتكرار الحركة مع التقابل بالرؤوس والارتفاع عن الأرض على القوائم الأربع ونفخ الجسم قليلا وأحيانا تكون المواجهة بالوقوف جنبا إلى جنب، وتنتهي المواجهة بفرار أحدهما أو بأدائه حركة الخضوع التي سيأتي ذكرها.
* حركة الخضوع: ويقوم بها الذكور والإناث، وتتم بأن تقف الأنثى أو الذكر المنهزم في المواجهة أمام المسيطر، ويوجه طرف الذيل نحوه ثم يرفعه ويحركه حركة تموجية يعلن بها خضوعه.
* حركة الدعوة إلى التزاوج: وتقوم بها الإناث لإغراء الذكور ودعوتها للتزاوج، وتكون بمرور الأنثى أمام الذكر، مع طي الذيل وإرخائه وهزه يمينا ويسارا، وتَلوُّن أسفل الذيل بالأحمر هو إحدى علامات التهيؤ للتزاوج.
وقد اعترف روس بأن هذه الدراسة ليست حاسمة حيث لاحظ أن بعض هذه الحركات قد يقوم بها أحيانا فرد واحد أثناء وجوده في مكان لا يوجد فيه غيره، كما أن فكرة محاكاة العقرب أيضا مستبعدة لمخالفتها لقواعد المحاكاة المعروفة في علم الأحياء .
ولكاتب هذه السطور حميد مبارك الدوسري خبرة طويلة بهذا الجنس من العظايا منذ زمن الطفولة، وفي رأيه الشخصي أن معظم حركات الأذيال مرتبطة بالتزاوج، ويمكن تفسيرها كلها على هذا الأساس حيث تبدأ بالاستعداد لهذه الغاية بالبحث عن الجنس الآخر في بداية الموسم وربما عن المكان الملائم، ثم تقوم بالحركات المصاحبة للتزاوج مع تبديل ألوان الذيل للجنسين، ثم يقل معدل حدوث هذه الحركات، كما أن الجيل الجديد الذي لم يبلغ بعد لا يقوم بها، وتختفي قبل بداية البرد والاستعداد للسبات الشتوي، ولذا فأفراد هذا النوع تكون متفرقة قبل موسم التكاثر، ثم تجتمع بكثرة في مكان واحد، ثم تتفرق بعد ذلك من جديد.
وقد ذكر الأستاذ روس أنه لم يلحظ أن أفراد هذا النوع تدفن نفسها ولكن كاتب هذه السطور قد لحظ ذلك فهي تدفن نفسها بالطريقتين السابق ذكرهما مع تفضيل طريقة إبقاء الرأس خارجا، ولكن ممارسة هذا النوع لهذا السلوك قليلة جدا، ولذلك ربما لم يلحظها روس. إنه عالم العجائب والغرائب الذي يحتاج للمزيد من الأبحاث والاكتشافات !!!
http://www.al-jazirah.com/magazine/images/edulogo.jpg
عالم العظايا مليء بالعجائب والغرائب، وما يزال العلماء يسعون جاهدين لمعرفة المزيد عن طبيعة هذه المخلوقات المتنوعة وسلوكياتها التي تختلط الحقائق عنها بكثير من الأساطير والخرافات، وقد اهتم العلماء بدراسة الوظائف المتعددة للأذيال عند العظايا التي تشمل استخدامها في الدفاع عن النفس، وذلك بطرح جزء من الذيل لشغل المهاجم وصرف اهتمامه عن صاحب الذيل حتى يتمكن من الهرب خاصة أن الذيل يبدأ بحركة لولبية تلفت النظر إليه، أو استخدامها أداة للدفاع بضرب المهاجم بها، كما يفعل الورل للدفاع عن نفسه، أو للتغلب على فرائسه، أو استخدامها في تسلق الأشجار والتعلق بها. كما أن للأذيال وظائف أخرى مرتبطة بموسم التزاوج مثل تبديل ألوانها لتحديد المواقع من مسافة بعيدة وتسهيل سرعة الالتقاء، أما أكثر وظائف الأذيال غرابة فهو استخدامها في التخاطب والتواصل بين أفراد النوع الواحد، وذلك بتحريكها بطريقة معينة لتدل على شيء معين ويوضح الاستاذ حميد مبارك الدوسري في مقالة في مجلة الوضيحي ان في شبه الجزيرة العربية يوجد جنسان من هذه العظايا يتبعها عدد من الأنواع التي تستخدم لغة الأذيال في التخاطب والاتصال ين أفرادها، وهو ما يسميه العلماء «إشارات الذيل» وسوف نستعرض بعض طرق التخاطب بالذيل في عدد من الأنواع التابعة لهذين الجنسين.
والجنس الأول من هذه العظايا معروفٌ عند العرب باسم الحكي بضم أوله، وهو جمعٌ مفرده حكأة وحكاءة بضم الحاء، وقد اشتق هذا الاسم من «الحكأ» وهو شد العقدة وإحكامها لأن هذه العظايا تعقد أذيالها وتشدها باستمرار، وجاء في كتب السيرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن قتل الحكأة، قالوا وسبب ذلك أنها لا تؤذي(1) ، وتعيش أنواع هذا الجنس في المناطق الصخرية أو الجبلية ذات الغطاء النباتي الكثيف أو المتوسط الكثافة.
نوع فقط في المنطقة الشرقية
وسلطنة عمان
وهناك ما يقارب عشرة أنواع من جنس الحُكي في شبه الجزيرة العربية أغلبها يوجد في اليمن وعمان، وكل أفراد هذا الجنس تحرك أذيالها بطرق مختلفة، وهو ما يعتقده العلماء لغة إشارة خاصة بكل نوع تستعمل بين أفراده للاتصال والتفاهم، والنوع الذي نتحدث عنه يوجد في ظفار بسلطنة عمان، كما يوجد في مكان واحد فقط في المنطقة الشرقية من المملكة في جزيرة دارين، وقد كانت أفراده تعيش في البيوت الشعبية المبنية من الصخور البحرية المسقوفة بالخشب وجريد النخل، كما كانت تعيش في المناطق الخالية من البناء في الجزيرة، وبعد أن تحول الناس إلى البناء الحديث وهدموا البيوت القديمة، وبنيت أراضي الجزيرة كلها لم يتبق من مكان لهذا النوع ليعيش فيه سوى مكان واحد هو القلعة الأثرية في دارين، وقد كانت مبنية من الصخور البحرية وجذوع النخل، وقد تهدمت هذه القلعة الآن ولم يبق منها سوى الأطلال، وربما يأتي في القريب العاجل من يحمل هذه الأطلال - بأوزاغها - إلى خارج الجزيرة بدعوى تشويه المنظر الجمالي أو استغلال مكانها، وقد كان أهل الجزيرة يأملون في أن تتولاها إدارة الاثار وتحافظ عليها كمعلم سياحي وعمراني في الجزيرة، وقد بقي عدد قليل من هذا النوع من الأوزاغ يعيش بين هذه الأطلال.
وهذا النوع هو الحكأة Pristurus rupestris من الفصيلة الوزغية وهو وزغ بني اللون فيه نقط داكنة وخطان أسودان في جانبي الرأس يمتدان من الأنف إلى نهاية الرأس مرورا بالعينين، يبلغ طوله مع الذيل حوالي سبعة سنتيمترات بينما يبلغ طول الذيل وحده أكثر من طول الجسم، وتنتهي أرجله بمخالب تمكنه من التسلق والمشي في السقوف وظهره إلى جهة الأرض كما تفعل الأوزاغ ذوات الأرجل المروحية اللاصقة، ويتميز الذكر فيه عن الأنثى بلون داكن وذيل مضغوط من الجانبين تبرز فوقه شويكات كالمشط، والأنثى ذات لون باهت، والجزء السفلي أبيض اللون في الجنسين.
وهذا النوع نهاري المعيشة، على خلاف أكثر بقية أنواع هذه الفصيلة، التي هي ليلية المعيشة، وتخرج أفراده لطلب القوت بعد طلوع الشمس في الأيام الحارة وتبقى إلى الغروب، وفي أيام البرد تتأخر في الخروج، وتبقى في الشمس فترة طويلة، قبل أن تمارس نشاطها، وتذهب للمبيت مبكرا مع بداية برودة الجو، وهي تُرى على مدار العام، وليس لها فترة سبات شتوي مثل بقية أنواع فصيلتها. وتتكاثر أفراد هذا النوع في وقت اشتداد الحر وارتفاع نسبة الرطوبة في شهر يونيو وما بعده، إلى وقت اعتدال الجو في اكتوبر، وليس لها أصوات كالتي تصدرها الأوزاغ في موسم التزاوج، وإنما تحرك أذيالها بطرق معينة لتحقيق هذه الغاية، وهو جزء من لغة الإشارة بالذيل التي تتميز بها هذه المخلوقات. وتتغذى أفراد هذا النوع على النمل وصغار الحشرات، بطريقة التربص والهجوم كما تفعل بقية أنواع فصيلتها، حيث تتربص ساكنة في مكانها فترة طويلة حتى تقترب الفريسة منها ثم تنقض عليها وتبتلعها، وتكون قريبة من سطح الأرض فوق الصخور، ولا تبعد كثيرا عن الأماكن التي تحتمي فيها في الشقوق وتحت الحصى، وتفضل الأماكن القريبة من النباتات لوفرة الحشرات التي تتغذى عليها، وعندما تشتد الحرارة تلجأ إلى الظل، وإلى الأماكن المعرضة للهواء فوق الأماكن المرتفعة.
الحكي تطرح ذيلها
عند الاحساس بالخطر
وتعتبر الطيور الجارحة من أهم الأعداء الطبيعية لهذه المخلوقات، بالإضافة إلى الأفاعي والقطط، أما وسائلها في تجنب مخاطر الافتراس فهي حذرها الشديد، وقربها دائما من ملاجئها بما يمكنها من سرعة الاحتماء فيها. كما أن طبيعة المنطقة الصخرية التي تعيش فيها تساعد على حمايتها وصعوبة الوصول إليها، إضافة إلى أن قيامها بطرح الذيل عند الإحساس بالخطر هو من أهم وسائل الدفاع عن النفس لدى هذا النوع كغيره من أنواع الفصيلة الوزغية.
وقد لفت نظر العلماء كثرة التشوهات الخِلْقِية في نمو أذيال هذا النوع بعد طرحها مما يعد ظاهرة فريدة تستحق الدراسة والبحث، بالإضافة إلى محاولة فهم وتفسير تلك الحركات المتنوعة لأذيال أفراد تلك المجموعة بعد أن تبين لهم أنها ليست مرتبطة فقط بموسم التزاوج، وإنما هي سلوك تمارسه على مدار العام، وأن طرح الذيل هو طريقة مفضلة للدفاع لدى أفراد هذه الأنواع، ولذلك يكثر التشوه في الذيول الجديدة أثناء نموها ولا يدل ذلك على حدوث خلل وراثي فيها. وقد قام الأستاذ أرنولد سنة 1988- 1989م بدراسة ميدانية لسلوك هذا النوع من الحكي لمدة عام كامل في جزيرة دارين بالمنطقة الشرقية، حيث وجد أن قلعة دارين، التي كانت عامرة آنذاك، هي أفضل مكان مناسب للدراسة، إذ لا يوجد فيها ما يزعجها أو يجعل سلوكها متأثرا بتدخل خارجي أو رد فعل له.
ويمكن تمييز الذيل البديل بسهولة من لونه، فالذيل الأصلي يماثل لونه لون الجسم من الأعلى ويكون أسفله أبيضا كلون البطن، أما الذيل البديل فيكون كله محمّر اللون حتى من الجانب الأسفل، وتكون التشوهات عادة إما بالنمو الزائد للذيل حيث يكون طويلا بشكل مفرط، أو تكون بتضخم حجمه أو بنمو الشويكات من الأعلى والأسفل في أذيال الذكور أو عدم نموها أصلا، كما قد ينمو ذيل آخر في الذيل الحالي دون أن يسقط الذيل الأول، وقد علل ارنولد ذلك بأنه إذا جرح الذيل ولم يسقط فإنه ينمو متشوها (2).
حركات للذيل تشير للتحذير أو المواجهة
ومن أهم نتائج الدراسة التي لخصها بليو روس، التوصل إلى تفسير منطقي لحركات الأذيال لهذا النوع من الحكي، وأنها في حقيقة الأمر لغة للتفاهم بين أفراد هذا النوع وهي بديل للاتصالات الصوتية التي تتم في الأنواع الأخرى من الوزغ، حيث أن هذا النوع لا أصوات له كما قلنا من قبل، وقد رصد ارنولد سبعة أنواع من حركات الذيل لكل منها دلالة مختلفة عن غيرها ومن هذه الحركات نسرد خمسة منها :
* إعلان المسالمة، ويكون برفع الذيل إلى أعلى وتحريكه بسرعة يمينا وشمالا عددا من المرات، وتصدر غالبا عن الصغار، كما تصدر عن الكبار عند مرور أحدها بحدود المكان الذي يعيش فيه غيره ويرد صاحب المكان بنفس الحركة.
* إعلان السيادة على الموقع: وتكون بطي الذيل إلى أعلى، ثم إعادته إلى وضعه السابق ثلاث مرات متتالية، ثم تحريكه يمينا وشمالا ثلاث مرات متتالية أيضا، وتمارسها الذكور دون الإناث، وتكون عند الانتقال إلى موقع جديد، أو عند محاولة أحد الذكور الدنو من موقع يشغله ذكر آخر.
* التحذير من الاقتراب: وتكون برفع الذيل قليلا، وإبقائه ممدودا دون حركة مع ارتفاع الطرف إلى أعلى، ويصاحب ذلك نفخ الجسم كله خاصة الحنجرة والبطن، والارتفاع على القوائم الأربع مع إبقاء الرأس في وضع مستقيم بحيث يبدو أكبر من حجمه الحقيقي، ويقوم بهذه الحركة الذكور لحماية مناطق نفوذها من تهديد الذكور الآخرى، وتستمر هذه الحالة لبضع ثوان، يعود بعدها صاحب المكان إلى حجمه الحقيقي بعد فرار خصمه أو إعلانه حركة المسالمة المذكورة سابقا، أما إذا استمر الخصم في مكانه أو قام بنفخ جسمه للتحذير أيضا فإن المواجهة تقع بينهما فيهاجم كل منهما ذيل الآخر، ولم يُلْحظ استخدام الأذيال كأدوات في المواجهة، رغم وجود بعض الأشواك في أذيال الذكور.
* إعلان المواجهة: وتكون برفع الذيل، وهو منحن، وتحريكه بشكل متموج بسرعة ثم مهاجمة الطرف الآخر حالا، وتمارس هذه الحركة الإناث والذكور غير أن الإناث تكون أذيالها في وضع شبه مستقيم مع حركة تموج أسرع من حركة الذكور.
* إعلان الرضا: وتكون بوضع الذيل بشكل مواز للأرض مع تحريكه حركة تموّجية بطيئة، وتمارسها الإناث والذكور قبل التزاوج، أو بعد التهام طعام شهي.
http://www.al-jazirah.com/magazine/21022006/12.jpg
ليث عِفِرّين» وهو اسم عربي يطلق على أفراد نوعين تابعين لجنس من الفصيلة الحرذونية (الأجما).
و«ليث عفرين»، بكسر العين والفاء وتشديد الراء، اسم عربي فصيح يطلق على أي فرد تابع لأي نوع من نوعي هذا الجنس، وهو مشتق من العفر، وهو التراب وغبرة اللون، وقد جاءت صفاته في قواميس اللغة ، وفي (تهذيب اللغة): « روى أبو حاتم عن الأصمعي يقال: إنه دابة مثل الحرباء يتحدى الراكب ويضرب بذنبه» ولا يفهم من هذا أنه مؤذ كما قد يتبادر من اسمه، أو من كلمة التحدي أو الضرب بالذنب، ولكن من صفاته الغريبة أنه إذا رأى الإبل أو الناس فإنه يقترب منها وينظر إليها مشدوها، ويحرك ذيله، ويتابعها بعض الوقت ثم يتركها، وهذه حقيقة يعرفها من يمشي في الأماكن التي تعيش فيها هذه المخلوقات، ويخاف بعض الناس من هذا السلوك الغريب إذ يسيئون فهمه، ومن خبرة كاتب هذه السطور أنك إذا تجاهلته أو لم تقم بحركات تثيره فإنه قد يقترب منك إلى مسافة متر أو أقل.
وقد خلط بعض المتأخرين من أصحاب المعاجم في التسمية والوصف بين ليث عفرين وأسد النمل، وهي حشرة معروفة ، وسبب الخلط أن كلا منها يدفن نفسه في التراب.
ويعيش أحد النوعين من «ليث عفرين» في معظم الأجزاء التي تغطيها الرمال في شبه الجزيرة العربية ولا يعيش في المناطق الجبلية أو الصلبة، ويفضل الكثبان الرملية التي ينبت فيها الرمث والغضى والأرطي، بينما يعيش النوع الآخر في المناطق الرملية حول السباخ على سواحل الخليج العربي الغربية، ويبلغ طول أفراد النوع الأول حوالي عشرة سنتيمترات ويتميز بخطوط عرضية غير منتظمة على الظهر تكون حمر اللون أو بنية وحلقات سود أو رمادية في ظاهر الذيل، وتختفي هذه الخطوط والحلقات، أو تبهت، عندما تشتد حرارة الشمس، حيث يماثل لونه لون التراب الذي يعيش فيه وذلك لتقليل امتصاص جسمه للمزيد من حرارة أشعة الشمس، وأسفل الجسم كله أبيض اللون بما في ذلك أسفل الذيل.
ويتميز الذكر عن الأنثى بضخامة في الحجم وسواد في طرف الذيل، أما الأنثى فيكون أسفل الذيل فيها رماديا، وتزداد ألوان الذيل وضوحا في وقت التزاوج، وأفراد النوع الثاني أصغر حجما إذ يصل طولها إلى نحو ثمان سنتيمترات فقط وتختلف ألوانها من مكان لآخر، كما تختلف ألوان الذيل أيضا، وفي أكثر المناطق يكون اللون مشابها للون التراب مع بقع حمر أو بنية باهتة على الظهر، والذيل أحمر في الأنثى، ومقلم بالأسود في الذكور، خاصة في وقت التزاوج.
ويُعرَف «ليث عفرين» في وقتنا الراهن عند العامة باسم «الطحيحي» (بضم الطاء وتسكين الياء على صيغة التصغير) والكلمة مشتقة من الطح وهو الانبطاع في الأرض والانبساط لأنه يدفن نفسه في الرمل عندما يشعر بالخطر، وطريقته في إخفاء نفسه تختلف عن طريقة السقنقور، الذي يغوص في الرمل، فهو يتوقف فجأة أثناء الركض ثم يضع جسمه على الأرض وينتفض بسرعة، وخلال جزء واحد من عشرة أجزاء من الثانية أو نحو ذلك يكون قد غطى كامل جسمه بطبقة سمكها نحو ملليمترين من التراب، وبعد ثلاث دقائق تقريبا يرفع رأسه بحركة بطيئة ثم ينظر حوله يمنة ويسرة، ثم يخرج رقبته ويرتفع على يديه ليرى أكثر، فإذا لم ير شيئا يريبه انطلق مسرعا مبتعدا عن مدفنه، ويبدو أنه يحس بالأشياء القريبة منه وهو تحت التراب ربما بالسمع أو بالبصر أو بهما معا، إذ لا يرفع رأسه من التراب عندما تكون على مسافة قريبة منه حتى لو بقي فترة طويلة جدا، وإذا أمسكت به وهو في التراب ثم وضعته على الأرض فإنه، غالبا، لا يهرب وإنما يجابهك وذلك بنفخ جسمه والارتفاع على قوائمه الأربع وفتح فمه، وإذا وضعت إصبعك قريبا منه فإنه يعضها، ولكن عضته ليست مؤلمة ولا مؤذية إطلاقا.
وتتغذى أفراد «ليث عفرين» على الدُبَا (صغار الجراد) والنمل والأرضة وصغار الحشرات الطائرة، ويتربص للفريسة باختيار مكان مرتفع يمكنه من مراقبة ما حوله، ثم ينطلق مسرعا لالتقاط فريسته متى رآها، وأحيانا يسعى لطلب الغذاء بالقرب من النباتات والمنحدرات الشديدة للكثبان الرملية، وهو حاد البصر جدا إذ يستطيع رؤية نملة صغيرة على بعد عشرات الأمتار، فينطلق مسرعا نحوها ليلتقطها، وطريقته في طرح الفضلات من جسمه تكون بشغر إحدى الرجلين وإمالة الجسم إلى الجهة الأخرى، ثم طرح الفضلات والتحرك عنها بالانحراف إلى جهة الميلان، وعدم المرور فوقه.
ويخرج «ليث عفرين» من سباته الشتوي، كمعظم الزواحف، في شهر ابريل ويستمر نشطا إلى اكتوبر، وفي الأيام الباردة يقضي فترة طويلة في الشمس قبل أن يزاول نشاطه، وفي أيام الحر يظهر مع طلوع الشمس ويختفي عندما يشتد الحر قبل منتصف النهار، ثم يعود للخروج في العصر بعد أن يبرد الجو قليلا، ويبقى إلى وقت الغروب.
وأهم أعدائه الطيور الجارحة والورل والأفاعي، وهو لا يستطيع طرح ذيله عند شعوره بالخطر أو عند الإمساك به كما تفعل بعض أنواع العظايا الأخرى للدفاع عن النفس، وإنما يدفن جسمه كما أسلفنا، وقد فسر العلماء هذا السلوك، وأعني به الانطحاح في الرمل، بأن الهدف منه إخفاء الظل، حيث تستطيع الطيور الجارحة أن تراه وترصد مكانه من حركة ظله، أما هو فلا تستطيع رؤيته بسهولة لمشابهة لونه لون التراب.
محاكاة لسلوك الأفعى الرملية المقرنة
وهناك طريقة أخرى يمارسها «ليث عفرين» للحماية حيث يدفن جسمه في التراب مع إبقاء الرأس غير مدفون، ويختار المكان الملائم واتجاه وضع الرأس وكمية التراب التي تغطي الجسم ويترك طرف الذيل فقط، ويهز جسمه هزا بطيئا مع الرجوع إلى الوراء قليلا حتى يكون في الوضع الذي يريده، ويفعل ذلك دون أن يكون هناك خطر واضح يتهدده، وفي هذا الوضع يكون لا ظل له أيضا، وربما يكون الغرض من ذلك تجنب حرارة الشمس أو غير ذلك، ويبقى على هذا الوضع فترة طويلة، ويعتقد كاتب هذه السطور أنه يقوم بذلك السلوك محاكاة للأفعي الرملية التي تدفن جسمها وتترك رأسها فوق الرمل، ومما يقوي هذا الاعتقاد الشبه الكبير جدا بين رأس ليث عفرين ورأس بعض أنواع الأفاعي وفي وضع الدفن لا يشك من يراه أنه الأفعي الرملية، وبذلك يحمي نفسه ويتجنب الافتراس بإخافة أعدائه، ومعروف أن هذا النوع من الأفاعي شديد السمية، ويعيش في نفس البيئة التي يعيش فيها «ليث عفرين».
وتقوم هذه العظايا بتحريك أذيالها قبل بداية موسم التزاوج وأثناءه وبعده، وقد حاول العلماء إيجاد تفسير لهذا السلوك المتميز حيث اعتقد سيمون وبرين سنة 1958م أنه سلوك محاكاة للعقرب تفعله هذه العظايا لحماية نفسها بإخافة أعدائها وإيهامها أنها عقارب، بينما اقترح سنة 1984م أن ذلك لغة للتخاطب بين أفراد هذا النوع، وفي سنة 1987م قام الأستاذ روس بدراسة ذلك السلوك ميدانيا على عدد كبير من أفراد النوع الأول في دوحة عين السيح بالخبر في المنطقة الشرقية، وقد استمرت الدراسة ستة أشهر من «ليث عفرين» سجل الباحث خلالها ملحوظات هامة حول السلوك العام لهذا النوع، وأربعة أنواع من حركات الذيل وما يسبقها أو يتلوها من سلوك نستعرضها فيما يلي بإيجاز:
* حركة السيادة على الموقع: ويقوم بها الذكور، وتكون بطي الذيل طيا كاملا ثم إعادته إلى وضعه الأول، وتكرار هذه الحركة ثلاث مرات أو أربعا بسرعة، وتكون عادة بعد الوقوف فوق مكان مرتفع، وتتكرر هذه الحركة في كل مرة يغير فيها الحيوان موقعه.
* حركة التهديد: وهي تماثل الحركة السابقة، وتحدث عندما يتقابل اثنان من الذكور حيث يقوم كل منهما بتكرار الحركة مع التقابل بالرؤوس والارتفاع عن الأرض على القوائم الأربع ونفخ الجسم قليلا وأحيانا تكون المواجهة بالوقوف جنبا إلى جنب، وتنتهي المواجهة بفرار أحدهما أو بأدائه حركة الخضوع التي سيأتي ذكرها.
* حركة الخضوع: ويقوم بها الذكور والإناث، وتتم بأن تقف الأنثى أو الذكر المنهزم في المواجهة أمام المسيطر، ويوجه طرف الذيل نحوه ثم يرفعه ويحركه حركة تموجية يعلن بها خضوعه.
* حركة الدعوة إلى التزاوج: وتقوم بها الإناث لإغراء الذكور ودعوتها للتزاوج، وتكون بمرور الأنثى أمام الذكر، مع طي الذيل وإرخائه وهزه يمينا ويسارا، وتَلوُّن أسفل الذيل بالأحمر هو إحدى علامات التهيؤ للتزاوج.
وقد اعترف روس بأن هذه الدراسة ليست حاسمة حيث لاحظ أن بعض هذه الحركات قد يقوم بها أحيانا فرد واحد أثناء وجوده في مكان لا يوجد فيه غيره، كما أن فكرة محاكاة العقرب أيضا مستبعدة لمخالفتها لقواعد المحاكاة المعروفة في علم الأحياء .
ولكاتب هذه السطور حميد مبارك الدوسري خبرة طويلة بهذا الجنس من العظايا منذ زمن الطفولة، وفي رأيه الشخصي أن معظم حركات الأذيال مرتبطة بالتزاوج، ويمكن تفسيرها كلها على هذا الأساس حيث تبدأ بالاستعداد لهذه الغاية بالبحث عن الجنس الآخر في بداية الموسم وربما عن المكان الملائم، ثم تقوم بالحركات المصاحبة للتزاوج مع تبديل ألوان الذيل للجنسين، ثم يقل معدل حدوث هذه الحركات، كما أن الجيل الجديد الذي لم يبلغ بعد لا يقوم بها، وتختفي قبل بداية البرد والاستعداد للسبات الشتوي، ولذا فأفراد هذا النوع تكون متفرقة قبل موسم التكاثر، ثم تجتمع بكثرة في مكان واحد، ثم تتفرق بعد ذلك من جديد.
وقد ذكر الأستاذ روس أنه لم يلحظ أن أفراد هذا النوع تدفن نفسها ولكن كاتب هذه السطور قد لحظ ذلك فهي تدفن نفسها بالطريقتين السابق ذكرهما مع تفضيل طريقة إبقاء الرأس خارجا، ولكن ممارسة هذا النوع لهذا السلوك قليلة جدا، ولذلك ربما لم يلحظها روس. إنه عالم العجائب والغرائب الذي يحتاج للمزيد من الأبحاث والاكتشافات !!!
http://www.al-jazirah.com/magazine/images/edulogo.jpg